الصحفي الفاسد إياد شربجي.. الصعود إلى الهاوية

بتوقف مجلة شبابلك عن الصدور تطوى الصفحة الأكثر سوءاً في تاريخ الصحافة السورية منذ نشأتها. ولم تجتمع مفاسد الصحافة كما اجتمعت في هذه المجلة وفي شخص صاحبها. وقد تمكن صاحب المجلة السيد إياد شربجي من أن يمزج اللون الأصفر لمجلته ببعض الألوان المستعارة، وذلك بطرق مجموعة من الموضوعات الجادة، لكن الطريقة التي تم بها تناول تلك الموضوعات ظلّ خفيفاً سطحياً مناسباً لقارئ يكتفي بالصور والعناوين.

كذلك تمكن السيد إياد شربجي من يحرف الأنظار عن حقيقة المفاسد المالية التي ارتكبها خلال سنوات، وذلك بجملة من الاستفزازات الموجهة إلى الرقابة الإعلامية، على أمل أن يصدر قرار سحب الترخيص، فتطوى صفحة المجلة بطريقة مشرفة تفتح له آفاقاً من العمل، في الخارج على الأقل، بوصفه ضحية من ضحايا نقص الحريات العامة والصحفية في سورية، لاسيما أنه قد نجح فعلاً في مد الجسور مع جهات خارجية، عربية وأجنبية.

في هذا السبيل، أعد ملف “الصحافة المطبوعة في سورية تحتضر” وكان واضحاً أنه إذا لم توقف المجلة كلها فسيوقف العدد على الأقل، وكان ظن العاملين مع السيد إياد شربجي، أن المقصود دفع الرقابة إلى إيقاف العدد على سبيل الدعاية، كما حدث من قبل، ولم يخطر على بال أي منهم أن السيد شربجي يبيت لإيقاف المجلة، في آخر يوم من أيام مهرجان ترعاه وزارة الثقافة، يجري في قاعاتها المقدمة مجاناً، وقد ألقيت في افتتاحه كلمة للسيد الوزير.

كان الشباب يسمعون أحاديث عن مصاعب مالية تعاني منها المجلة، وقد نشر شيء من هذا هنا وهناك، لكنهم لم يحملوا تلك الأحاديث محمل الجد، وكانوا يجرون حساباً ذهنياً سريعاً ليتبنوا أن المجلة لا يمكن أن تكون خاسرة، وهم يجرون حساباتهم على ما هو معلن وقانوني من الأرباح، لأنهم يعلمون بشأن الإعلانات المبطنة التي تشكل وارداً مجهول الحجم من واردات المجلة، يقع في دائرة السري للغاية. كما كانوا يعلمون بشأن المساعدات التي تتلقاها المجلة بشكل رسمي من جهات عامة وخاصة، محلية وخارجية، مقابل مجمل نشاط المجلة أو مقابل موضوع محدد. وكان الشباب يفسرون تلك الأحاديث بأنها تبث بقصد تفسير التأخر في دفع أتعابهم أو “الكحتنة” في تحديد مقدارها.

كان الشباب يسمعون أيضاً أحاديث عن قضايا مالية وقعت فيها المجلة، ويعلمون أن التحقيق قد بدأ، لكن صور الأمر لهم على أنه روتين، وأن جميع المؤسسات العامة والخاصة، الصغيرة والكبيرة، تخضع لتفتيش دوري، سواء أكان ثمة قضايا محددة أم لا.

غير أن الأمر لم يكن كذلك، فالتحقيقات في القضايا المالية جاء على خلفية واقعة محددة، ثم انفتح على قضايا يجر بعضها بعضاً، حتى بات مؤكداً أن حجم الفساد المالي المرتكب يفوق كل تصور، وأن عقوباته لن تقف عند الغرامة، ولا عند سحب الترخيص، بل ستتجاوز ذلك بإحالة مرتكبيها إلى العدالة، ولن يجديهم نفعاً تصورهم بأن الفساد قد طال كل مواطن، وكل مرفق من مرافق البلد، وأن محاسبة الفاسدين لن تأتي لأن الفاسدين متنفذون، وأنه إذا لم يمكن محاسبة كبارهم فإن العدالة ستستحي من محاسبة صغارهم.

أصبح المآل الذي سينتهي إليه الصحفي الفاسد إياد شربجي واضحاً، وأصبح مصير مجلته المتاجرة بالشباب معلوماً، وكما ينتفض الديك المحتضر، أطلق الصحفي الفاسد إعلان التوقف عن إصدار مجلته احتجاجاً على “المضايقات التي تتعرض لها”. وذلك بقصد تحويل الأنظار من الرقابة المالية إلى الرقابة الإعلامية، ليظهر بمظهر القربان على مذبح حرية التعبير، على أمل أن تضمن له ردود الأفعال في الداخل والخارج قدراً من الحماية يلغي أو يؤخر على الأقل التفاف حبل العدالة حول رقبته.

وبالفعل نجحت الخطة، فقد تلقفت وسائل الإعلام الخبر، ولا سيما المواقع الألكترونية، يستوي في ذلك ما كان منها يحرر من الداخل أم من الخارج، ما كان منها مستقلاً أم معارضاً، وكان واضحاً أن قلة من أولئك كانوا “أبرياء” الغرض، فالحس الفضائحي والبحث عن الإثارة والرغبة في النيل من الحكومة يكاد يكون مشتركاً بين الجميع. ونحن هنا أبعد ما نكون عن وضع الحكومة في دائرة همومنا، سواء بالنيل منها أو الانتصار لها، لكننا لا نستطيع إلا أن ننظر بعين الشفقة إلى حكومة لا نعرف مثيلة لها في تاريخ سورية المنظور، لا في العهود الديمقراطية ولا في العهود الثورية. حتى في عهد السيد الرئيس ناظم القدسي (1961-1963) الذي تقول الروايات أنه كان عندما “يزعل” من حكومته، يركب سيارته ويتجه إلى حلب، فيسارع أعضاء الحكومة إلى سياراتهم، فيظفرون به عند النبك حيناً وفي الرستن حيناً، ويقنعونه بالعودة بعد “التبكبك” و”التبويس”.

وضع في حدود معلوماتنا غير مسبوق، وحكومة لا تنقصها المشاكل. وهذه المشكلة التي أوقعها الصحفي الفاسد إياد شربجي على رأس الحكومة، ليست في ذاتها قضية تذكر، لكن أبعادها الرمزية مخجلة إلى درجة تتجاوز قدرة التحمل لمن كان لديه سمع وبصر. وقد نزلت المشكلة على رأس الحكومة كما تنزل بقعة الضوء على مسرح معتم. وإذا كان حجم الفساد المالي في هذه القضية، على كبره، لا يذكر أمام المليارات في قضايا أخرى، فإن المعنى الأخلاقي، أو اللاأخلاقي في هذه القضية طال المحرمات.

ولما كان الجو العام فاسداً تتوارى فيه الأخلاق، فكل كلمة مهما كانت بريئة تثير حولها التساؤلات، وكل موقف مهما كان طبيعياً عادياً يطرح حوله الشكوك، فالفساد مفترض في كل شيء، لا تفلت منه زاوية. وهذه الأجواء من انعدام الثقة تشكل كارثة وطنية في حد ذاتها، وهي أكبر ضرراً من الفساد نفسه، لأنها ببساطة تحكم بالعبث واللاجدوى على كل عمل يتوجه إلى مكافحة الفساد، بل تقضي على مجرد الحلم في التخلص منه.

وللحديث صلة




Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

%d bloggers like this: